مواصلة الحرب بوسائل أخرى لاستئصال فلسطین
نصر شمالی
المفاوضات المزعومة التی جرت وتجری بین الفلسطینیین والإسرائیلیین، أو بین العرب والأمریکیین وهو الأصح، تستدعی التأمل فی الأساسیات العامة التی یقوم علیها مبدأ المفاوضات عموماً، کی نتمکن من استطلاع آفاق هذه الجولة ومستقبلها. فإن فعلنا فسوف نکتشف بسهولة وببساطة أنها مفاوضات محکومة بنتائج محددة ومقررة مسبقاً من قبل أحد الطرفین، من قبل الطرف الأمریکی الصهیونی بالطبع، أی أنها مفاوضات ولیست مفاوضات، بل جزء لا یتجزأ من الجهد العسکری الحربی المتواصل منذ عقود على طریق تهوید أو صهینة أو أمرکة فلسطین بکاملها.
من حیث المبدأ، وفی جمیع الأمکنة والأزمنة، فإن المفاوضات لیست نوعاً واحداً، ولا من طبیعة واحدة، لکن الدخول إلیها عموماً، بأنواعها وبتدرجات کل نوع منها، یفترض أن یکون إما طوعیاً حراً طلیقاً، وإما إکراهیاً إلزامیاً مقیداً. والدخول الحر الطلیق هو للأصدقاء التاریخیین المتحالفین، سواء أکانوا متکافئین من حیث القوة المادیة أم لا، وأیضاً للأعداء التاریخیین الذین یمتلکون قوة مادیة وسیاسیة موازیة. أما الدخول الإکراهی المقید فهو یفرض على الأعداء الذین انهارت قوتهم المستقلة فاستسلموا، کما هو حال الیابانیین مثلاً، أو على الضحایا الذین یفتقرون إلى القوة المستقلة أصلاً، کالعرب مثلاً.
غیر أن واشنطن، کما هو ثابت، لا تتقید بمبادئ کهذه على جمیع الجبهات. فالمفاوضات بین الأصدقاء المتحالفین (فی حلف شمال الأطلسی تحدیداً) یفترض أنها تهدف عموماً إلى معالجة ما یطرأ على العلاقات داخل الحلف من خلل فی التکافؤ النسبی العادل، وإزالة ما یصیبها من شوائب تعکر صفو التحالف، وأنها تهدف أیضاً إلى تمتین العلاقات، وتطویر الازدهار الداخلی، أو لمواجهة خطر خارجی. غیر أن واشنطن الأقوى تفرض إرادتها غالباً على أصدقائها وحلفائها خلافاً لمصالحهم، الأمر الذی یضعضع مبدأ الحریة والتکافؤ السیاسی، ویؤسس للبغضاء والاختلاف والتناقض، وربما لما هو أبعد وأخطر، بین الحلفاء الأطلسیین أنفسهم، فإذا کان هذا حالها مع شرکائها فکیف یکون مع الذین هم خارج حلفها من ضحایاها؟ مع الذین تصنفهم أعداءها حتى لو کان حکامهم ینشدون مودتها ویعملون فی رکابها؟
إن واشنطن تفرض المفاوضات على حکام ضحایاها بالإکراه وبالقیود، وترغمهم على لعب دور الخصم الند الخطر، مع أنهم لیسوا کذلک ولا یریدون أن یکونوا کذلک، إن الأمریکیین المحتلین یفاوضون حکومات هی صناعتهم من ألفها إلى یائها، وهی جاءت إلى مقرات السلطة من الخارج محمولة على آلیاتهم الحربیة، أما هدف اللعبة فهو فرض قراراتهم على الشعب الرازح تحت الاحتلال کما لو أنها حقاً محصلة مفاوضات حرة طلیقة مع حکومته الحرة الطلیقة!
وفی الحالة الفلسطینیة یذهب الأمریکیون أبعد من ذلک بکثیر، فیعطون أنفسهم دور الطرف الثالث المحاید الراعی، ویعطون مرتزقتهم الإسرائیلیین دور الطرف الثانی المقابل للعرب، مع أنهم لا یکفون طیلة الوقت عن تأکید التزامهم التام الثابت بضمان استمرار التفوق الإسرائیلی، لیس على الفلسطینیین والعرب فقط، بل على دول المنطقة المسماة بالشرق الأوسط جمیعها. وبالطبع فإن التفوق الإسرائیلی المزعوم هو تفوقهم هم بالذات، ومعهم حلفهم الأطلسی، ولیس هناک فی العالم أجمع من لایزال یجهل هذه الحقیقة، أو من لایزال یکابر وینفیها، بعد تلک الحرب العالمیة التی شنت تباعاً تقریباً، ضد لبنان ثم ضد قطاع غزة.
لقد کان الأمریکیون یعتقدون أن نتائج الحرب ضد لبنان فی عام 2006 سوف تکون لصالحهم بالتأکید، وأن لبنان المستسلم سوف یتحول إلى جزء من قاعدتهم الصهیونیة، ثم یلیه قطاع غزة، لتشمل قاعدتهم فلسطین بکاملها مضافاً إلیها لبنان. وکانت قراراتهم وترتیباتهم جاهزة للانطلاق بعد ذلک فی عملیة إقامة مشروع الشرق الأوسط الجدید، الذی سوف یضمن سیادتهم العالمیة على مدى القرن الواحد والعشرین. وعندما فوجئوا بفشل العمل العسکری، فی لبنان ثم فی فلسطین حیث صمدت المقاومة، أصبح هاجسهم تحقیق الحد الأدنى من المکاسب، تماماً کما حدث فی العراق، فصار استکمال تهوید وصهینة وأمرکة فلسطین بکاملها (کما یحاولون أمرکة العراق) هو الهدف الواقعی الذی یبدو کأنما هو متاح. لقد تحولوا إلى العمل «السیاسی» أکثر بدلاً من العمل العسکری، وذلک بهدف الالتفاف على المقاومة، فکان إحکام الحصار على قطاع غزة، وکان التحضیر لجولة جدیدة من المفاوضات (وهی لیست مفاوضات) یتوقعون منها أن تکون منعطفاً یدخل الضفة الغربیة والقدس فی نطاق هیمنتهم المباشرة الرسمیة.
أما عن المرتزقة الإسرائیلیین فإن وضعهم، منذ سقوط حکومة مناحیم بیغن فی أوائل الثمانینیات، أصبح مختلفاً ومقیداً، وخاضعاً مباشرة للأمریکیین الذین تعاظم حضورهم فی المنطقة العربیة. لقد خسروا الکثیر من حریة حرکتهم الذاتیة بعد أن أجرى الأمریکیون تعدیلات قاسیة متوالیة على ما یسمى بالخارطة السیاسیة الإسرائیلیة، بصقورها وحمائمها وثعالبها ودجاجها. وسرعان ما أخذت تلک الخارطة الوضعیة المطلوبة أمریکیاً، فلا یوجد حزب إسرائیلی قوی یستطیع منفرداً اتخاذ أی قرار مستقل له صلة بقضایا المنطقة، ولا یوجد زعماء إسرائیلیون تاریخیون یحظون بالاحترام والثقة الکافیة ویحسب حسابهم، بل مجرد تیارات متهافتة تتسابق لکسب ثقة واشنطن ولنیل المکاسب السلطویة الرخیصة. أما التظاهر بالعکس، من قبل الأمریکیین والإسرائیلیین، فهو یأتی فی سیاق الخداع الذی یمارس على الآخرین. إن الإسرائیلیین ینفذون التعلیمات الأمریکیة عندما یتظاهرون بعدم الانصیاع لهذه التعلیمات.
وهکذا فإن هذه المفاوضات بین الفلسطینیین والإسرائیلیین، التی لیست بالمفاوضات، والتی یدیرها الأمریکی متستراً خلف ضحیته الفلسطینی وخادمه الإسرائیلی، هی فی حقیقتها فصل من فصول الحرب المفتوحة ضد الفلسطینیین خصوصاً والعرب عموماً، حیث یراد للألاعیب السیاسیة أن تحقق ما عجزت عن تحقیقه القذائف الناریة. أما أغرب ما فی المشهد فهو أن یجد الأمریکی من یزعمون أنهم یمثلون الفلسطینیین والعرب فی هذه اللعبة، ویشهدون زوراً بأنها مفاوضات حقیقیة.
ن/25